اتجاهات جديدة فى تعليم اللغات
القاهرة ذو القعدة 1428 / نوفمبر 2007
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
شهدا ميدان تعليم اللغات ، سواء لأبنائها أو غير الناطقين بها تطورات كثيرة سواء من حيث أهداف تعليمها ، أو استراتيجيات تدريسها أو أساليب تقويمها .
وفيما يلى بعض هذه التطورات فى مجال تعليم اللغات لأبنائها
1- العمل على تكوين المهارات اللغوية والعادات :
لم يعد تدريس اللغة معنياً بالحقائق كما كانت عليه الحال في القرن الماضي ومطلع هذا القرن ، إذ لو كان تدريس اللغة يتم وفق هذا الاتجاه لكان تعليم الطلاب مجموعة من مفردات معينة ، ومجموعة من القواعد ، يعد تعليماً للغة .
إلا أن الاتجاه في التربية الحديثة يرمى إلى " التمهير" لا إلى التحفيظ والتسميع ، وتعليم اللغة على أنها حقائق علمية لا يكفي لتكوين المهارة ، والمهارة تعني الأداء المتقن في الوقت والجهد القائم على الفهم .
ومما يساعد على تكوين المهارة الممارسة والتكرار ، على أن تتم الممارسة في مواقف حيوية متنوعة وبصورة طبيعية ، وهذه الممارسة ينبغي لها أن تقوم على الفهم وإدراك العلاقات والنتائج ، إذ من غير ذلك تصير المهارة آلية لا تعين صاحبها على مواجهة المواقف الجديدة وحسن التصرف فيها ، وللتوجيه والقدوة الحسنة والتعزيز دور كبير في اكتساب المهارات.
وإذا كان تعليم اللغة يرمي إلى اكتساب المتعلم المهارات اللغوية متمثلة في المحادثة والاستماع والقراءة والكتابة فإن لكل لون من هذه الألوان مهاراته التي لابد من المران المستمر على اكتساب المتعلمين لها ، فمهارات الاستماع مثلاً تتمثل في إدراك هدف المتحدث ، وادراك معاني الكلمات ، وفهم الفكر ، وإدراك العلاقات فيما بينها ، وتنظيمها وتبويبها ، واصطفاء المعلومات المهمة واستنتاج ما يود المتحدث قوله وما يهدف إليه ، وتحليل كلام المتحدث والحكم عليه ، وتلخيص الأفكار المطروحة .
أما مهارات القراءة ، على سبيل المثال أيضاً فتتمثل في جانبين أولهما فسيولوجي ويشتمل على تعرف الحروف والكلمات ، والنطق بها صحيحة ، والسرعة في القراءة ، وحركة العين في أثناء القراءة ، ووضعية القاريء ، وثانيهما عقلي ويشتمل على ثروة المفردات ، وفهم المعاني القريبة ، والمعاني البعيدة ، واستخلاص المغزى والتفاعل مع المقروء ونقده .
ولم يتوقف التطور في هذا المجال عند تكوين المهارات ، وإنما امتدت الأنظار إلى تكوين العادات اللغوية ، فالمهارة تختلف عن العادة في أنها تتسم بالوعي ، على حين أن العادة فعل منفذ من شخص ما دون مشاركة الوعي في تنفيذه ، أي أنه يؤدي بصورة آلية لأن الإنسان قام بأدائه مراراً عديدة في الماضي ، فالعادة تتكون بنتيجة الإعادة المتكررة لمهارة من المهارات خطوة ضرورية لتكوين العادات .
2- البدء بتدريس المهارات اللغوية :
غني عن البيان أن المهارات اللغوية تتمثل في جانبين أولهما : مهارات الإرسال وثانيهما مهارات الاستقبال ، وأن مهارات الإرسال تشتمل على المحادثة والكتابة والقراءة الجهرية إذا كانت موجهة إلى الآخرين ، على حين أن مهارات الاستقبال تتمثل في الاستماع والقراءة الصامتة والجهرية إذا كان المتعلم يقرأ لنفسه لا للآخرين .
ولقد كانت طريقة تدريس اللغة في التربية التقليدية تبدأ بتعليم التلاميذ الحروف الأبجدية أو الألفيائية منذ دخولهم إلى المدرسة من غير أن يسبق ذلك أي تهيئة .
إلا أن التطور الذي حدث في هذا المجال هو العزوف عن البدء بتعليم القراءة والكتابة واللجوء إلى تعليم المحادثة في الأشهر الأولى بغية تعويد الأذن على أصوات اللغة والتمييز بينها وتذليل صعوبات النطق ، كما أن في البدء بتدريس المحادثة والاستماع إزالة للخوف وكسراً لحدة الخجل والانطواء عند الناشئة الذين يحسون بالوحشة في الفترات الأولى ، فضلاً عن أن مهارة المحادثة من أكثر المهارات اللغوية شيوعاً واستعمالاً في مواقف الحياة كما أثبتت أبحاث كثيرة.
كما أن البدء بتدريس المحادثة يساير مراحل الطفولة نفسها ، ويساير المراحل التي مرت بها المجتمعات البشرية ، فالطفل يفهم بعض الألفاظ قبل أن ينطق بها ، ويأتي الكلام ثانياً ، فالقراءة والكتابة ثالثاً ، والمجتمعات البشرية عرفت عبر تاريخها الطويل اللغة المنطوقة أولاً قبل أن تعرف القراءة والكتابة .
يضاف إلى ذلك أن من حقائق النمو اللغوي أن مهارات الكلام والاستماع تسبق مهارات القراءة والكتابة ، ويعلل ذلك بأنه غالباً ما يكون هناك تخلف من ست سنوات "إلى ثمان في عمر الطالب اللغوي عن عمره الزمني ، لأن الكلام المكتوب مختلف عن الكلام الشفهي .
ويعزو عالم النفس الروسي " فيجوتسكي " ذلك إلى حقيقة أن القراءة والكتابة تجريدات من الدرجة الثانية ، فعلاقة اللغة المكتوبة بالمنطوقة كعلاقة الجبر بالرياضيات .
ومن هنا لجأت الطرائق الحديثة إلى إسماع المتعلم البني اللغوية في أصواتها وتراكيبها ومعرفة مدلولاتها أولاً ثم تكرار هذه البني ثانياً ، وقراءتها ثالثاً ، وتثيبها بالكتابة رابعاً ، ذلك لأن المادة المسموعة والمرئية والمفهومة تشكل صعوبة إذا ما قدمت في موقف واحد ، لذا كانت المحادثة والاستماع قبل القراءة والكتابة تشكل حصيلة لغوية مختزنة تسقط بعدها على الصور المرئية قراءة وكتابة .
3- التكامل بين المهارات اللغوية:
كانت طرائق التدريس من قبل تركز على كل من فرع من فروع اللغة في أثناء تدريس اللغة ، فهناك حصص معينة لتعليم القواعد ، وثانية لتعليم الإملاء وثالثة للتعبير ، ورابعة للقراءة ... إلخ ، وثمة كتب خاصة بكل لون من هذه الألوان .
وكانت فلسفة هذه الطرائق مبنية على أن هذا التخصص يوجب على المدرس أن يدرب على مهارات كل لون من غير أن يطغي جانب على آخر فيما لو درست اللغة في ظلال الوحدة . وبمعنى آخر كانت القواعد النحوية تدرس على أنها غاية في حد ذاتها وينطبق هذا على البلاغة والإملاء ... إلخ .
بيد أن التطور الذي طرأ في هذا المجال هو أن تدرس اللغة في ثنايا القراءة والنصوص والوحدات المتكاملة ، لأن بعض المربين يرون في النص وحدة متكاملة يتم التدريب من خلاله على القراءة والتعبير والإملاء والقواعد وفي ذلك مسايرة للطريق الطبيعي في إدراك الحقائق في الانتقال من الكل إلى الجزء على النحو الذي أشار إليه ابن خلدون وأصحاب نظرية الجشتالت في علم النفس من أن العقل يدرك الكل قبل إدراك الجزء ، وإضافة إلى أن معالجة النص على أنه وحدة متكاملة تجدد الحيوية عند الناشئة ، وتبعث النشاط في نفوسهم ، كما أن هذا السبيل يوطد العلاقة بين مختلف الفروع اللغوية ، فلم تعد القواعد هدفاً في حد ذاتها ، وإنما هي وسيلة لتقويم القلم واللسان من الاعوجاج والزلل ، والإملاء وسيلة لتقويم القلم من الخطأ ، والقراءة وسيلة لخدمة التعبير ... إلخ .
أما فيما يتعلق بالارتباط بين مهارات الإرسال والاستقبال فقد لوحظ أن ثمة ارتباطاً وثيقاً بينهما. فالمتحدث يعكس في حديثه لغة الاستماع التي يسمعها في البيت والبيئة ، وبالمقابل تؤثر لهجة المتحدث وأداؤه وانسيابه وطلاقته في المستمع فتدفعه إلى محاكاتها ، كما أن الدقة في المحادثة تكتسب بالاستماع إلى المتحدث الدقيق إذ أن نمو مهارات الاستماع الدقيق يساعد على نمو الانطلاق في الحديث .
ومعامل الترابط بي الاستماع والقراءة عال وذو دلالة إحصائية ، ذلك لأن الاستماع هو الأساس في التعلم اللفظي في سنوات الدراسة الأولى ، والمتخلف في القراءة يتعلم من الاستماع أكثر مما يتعلم من القراءة ، إذ إن القدوة على التمييز السمعي مرتبطة بالقراءة ، كما أن الدقة في الاستماع والقدرة على التمييز فيه تساعدان صاحبهما على تحصيل الأفكار الأساسية ، وعلى تذكرها فيما بعد ، والتلاميذ في مراحلهم الأولى يتذكرون ما يسمعونه أكثر مما يقرؤونه ، ومع نموهم الفكري في المرحلة الثانوية يتذكرون ما يقرؤونه أكثر مما يستمعون إليه . ومعامل الارتباط بين الألفاظ المقروءة والمسموعة عال عند الكبار ويصل إلى 80% أو أكثر .
والعلاقة بين الاستماع والكتابة تتمثل في أن المستمع الجيد يتمكن من التمييز بين أصوات الحروف . فيستطيع كتابتها وكتابة كلماتها كتابة صحيحة. كما أن الاستماع الجيد يزيد الثروة اللفظية فينعكس ذلك كله على التعبير الكتابي فيما بعد ، إذا إن المستمع الجيد غالباً ما يكون كاتباً جيداً .
وثمة أبحاث أثبتت العلاقة القوية بين نمو الدقة في المحادثة والاستعداد للقراءة . والتحصيل القرائي المتنوع يدل دلالة واضحة على الدقة في التحدث ويعطي مداداً قوياً للقدرة على المحادثة ، وتعد المحادثة أساساً لتعلم القراءة . وهناك علاقة بين المحادثة والكتابة فيما بعد ، فالمحادثة أساس فعال في إغناء الكتابة .
والتطور الذي طرأ في مجال مهارات الاستقبال يتمثل في أن عمليتي القراءة والاستماع ليستا عمليتين سلبيتين . بل هما عمليتان إيجابيتان . إذ ما دامت المعاني لا تنتقل بنفسها ، بل بوساطة الرموز ، وما دامت هذه الرموز تختلف في مدلولاتها وجوداً وعدماً وضيقاً وسعة باختلاف الناس ، فما يحدث هو أن المستمع أو القاريء يتلقى هذه الرموز وينشط عقله في البحث عن معانيها .وهو في هذا البحث متأثر بخبراته في ضوء معرفته السابقة باللغة ، فهذه المعرفة تساعد على توقعات معينة من حيث الأصوات التي يسمعها والنظام النحوي الذي تعلمه ، ثم نظام المعاني .
4- اعتماد مفهوم النظام في التدريس :
لم تكن الأهداف التي ينشدها المربون في التربية التقليدية واضحة ، ولم تكن مصوغة في ضوء متطلبات المتعلمين وحاجاتهم ولا تراعي حاضرهم . وهذا ما جعل التربية الحديثة توجه الأنظار إلى المتعلم نفسه ، وتبنى مناهجها على أساس ميول المتعلمين وحاجاتهم .
ثم طرأ تطور أخر في عملية بناء المناهج ، إذ اعتمدت المادة الدراسية ، ومطالب المتعلمين ، ومتطلبات المجتمع ، والعصر في إطار نظرة كلية متكاملة من غير أن يكون ثمة تعارض ، ذلك لأن البدء بواقع المتعلمين وميولهم الحالية من أجل هدف غير محدد لا على أساس المادة وتطورها العالمي وميولهم الحالية من أجل هدف غير محدد لا على أساس المادة وتطورها العالمي ، ولا على أساس المجتمع ومتطلباته في المستقبل معناه بداية صحيحة ولكن إلى ضياع!
ومن هنا كان تبني مفهوم النظام المتكامل في بناء المنهج يشكل بنياناً متراصاً يساعد بعضه بعضه الآخر ونسقاً متصلاً يكمل بعضه بعضه الآخر .
وإذا كان المنهج يتكون في ضوء المفهوم النظامي من عدة عناصر ، وهذه العناصر تتفاعل فيما بينها بحيث أن كلاً منها يؤثر في غيره ويتأثر به وتعمل متكاملة لتحقيق أهداف معينة فإن طريقة التدريس – وهي عنصر من عدة عناصر يشتمل عليها المنهج – لا تعمل في فراغ ، وإنما هي مرتبطة بالأهداف وبالمتعلمين أنفسهم وبوسائل التعليم وبأساليب التقويم وبالمادة التعليمية وبالمراجع وبالمصادر ... إلخ .
وأضحت طريقة التدريس تتكيف مع الأهداف المرسومة للتعليم ، فإذا كان إتقان اللغة المكتوبة هو الهدف ركزت طريقة التدريس على الجانب المكتوب من اللغة أكثر من تركيزها على الجانب المنطوق ، وإذا كان الهدف يتمثل في اكتساب المتعلم مهارات الاتصال اللغوي الشفهية ركزت الطريقة على الحوار والجانب المنطوق من اللغة .
كما أن وسائل التعليم وتقنياته تختلف باختلاف الهدف أيضاً فإذا كان الهدف تذليل صعوبات النطق كان للمختبر اللغوي دور في هذا المجال ، وإذا كان الهدف متابعة الحوار في مواقف طبيعية عفوية كان للأفلام دور في هذا المضمار .
ومن البدهي أن المادة اللغوية والنصوص تختلف باختلاف الهدف أيضاً ، كما أن أجهزة التعليم بحاجة إلى مادة ، وأن الإخلال في أي ركن من هذه الأركان يؤدي إلى عدم تحقيق الأهداف المنشودة .
ومن هنا لم يكن ثمة حدود فيما تتبناه الطرائق الحديثة في تعليم اللغات . وفي ضوء هذا المفهوم قامت طريقة : "Sans Frontieres اللا حدود " في تعليم اللغة الفرنسية للمراهقين والراشدين المبتدئين بغية تعليم الفرنسية المنطوقة والمكتوبة معاً . وهي طريقة متكاملة تحقق تقدماً حثيثاً بوساطة مجموعة من التمرينات الهامة في إعادة الاستعمال والقواعد المبرمجة والوظيفية والمواد سهلة الاستعمال . وتضمن الجزء الأول كتابا للمتعلم وآخر للمعلم وثلاثة أشرطة وكراساً للتمرينات وملصقات جدارية .
وانطلق مصممو هذه الطريقة من المفهوم النظامي التكاملي في العملية التعليمية التعلمية ، مستشهدين في انطلاقتهم بالحكمة التربوية المستمدة من الحكاية التالية : ترك رجل لوالديه إرثاً مكوناً من حقل صالح لزراعة القمح ، ثورين ، ومحراث ، وبذار ، واختلف الولدان على تقسيم الإرث ، ووصل الأمر إلى القاضي ، فحكم بينهما بأن أعطى الأول الحقل ، وأعطى الثاني الثورين والمحراث والبذار ، فإذا لم يتفقا فيما بينهما فإن هذا يعني أن القمح لن ينمو .
وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على التكامل بين أركان عوامل النمو ، وإذا كان الهدف من النمو في الأقصوصة للقمح فهو في العملية التعليمية للمتعلم ، إذ لابد لنموه من توافر مكونات متعددة فالذين يعلمون من غير دارية بالوسائل والأدوات التي تسهم في تحقيق الأهداف ، والذين يمتلكون الأدوات المتعددة ، ولكنهم غير ملمين بالأهداف ، لا يمكن لأولئك وهؤلاء جميعاً أن يصلوا إلى النتيجة المرجوة والأهداف المنشودة من تعليم اللغة إلا إذا أزيلت الحدود وكسرت الحواجز بينهم .
5- اعتماد أسلوب الانتقائية في التدريس :
من الواضح أن الطريقة القياسية هي التي كانت سائدة في أواخر القرن الماضي في تعليم اللغات . ويتجلى الأساس الذي تقوم عليه في انتقال الفكر من القانون العام إلى الخاص ، ومن المبادئ العامة إلى النتائج ومن الحقائق العامة إلى الجزئية وتتمثل الخطوات التي تسير فيها في أن يذكر المدرس القاعدة مباشرة موضحاً إياها ببعض الأمثلة ثم تأتي التطبيقات والتمرينات عليها .
وقد كان لهذه الطريقة معارضون رأوا أنها عديمة الجدوى في تعليم اللغة واكتسابها لأنها تعود الطالب المحاكاة العمياء ، والاعتماد على غيره ، وتقتل فيه روح الابتكار والرأي ، كما أنها تتنافى مع قواعد التدريس في السير من السهل إلى الصعب ، إذ أنها تبدأ بالصعب لتنتقل إلى السهل ، وإن مفاجأة الطالب بالحكم العام يشكل صعوبة في حد ذاته ، وهذا يؤدي إلى أن تكون القاعدة غير واضحة وجلية مما يؤدي بدوره إلى الخطأ في التطبيق على القاعدة كما أن الحقائق التي تقدم وفق هذه الطريقة تبقى مزعزعة في الذهن .
وفي نهاية القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين ارتفعت الصيحات من هنا وهناك تدعو إلى العدول عن الطريق القياسية في التدريس بعد أن تأثر المربون بخطوات المربي الألماني " يوحنا فردريك هربرت " متمثلة في التمهيد والعرض والاستنتاج والقاعدة والربط والتطبيق . ويتجلى الأساس الذي تقوم عليه هذه الطريقة الاستقرائية في انتقال الفكر من الجزيئات إلى القانون العام ، ومن تتبع الحالات الخاصة للوصول إلى الأحكام العامة .
ورأي أنصار هذه الطريقة نجاعتها لأنها تجعل الطلبة إيجابيين لا سلبيين ، كما أنها تتخذ الأساليب والتراكيب ، كما أنها تتخذ الأساليب والتراكيب أساساً لفهم القاعدة ، فهي تمزج القواعد بالأساليب .
إلا أن معارضيها يأخذون عليها البطء في إيصال المعلومات وعدم وجود صلة فكرية أو لفظية بين الأمثلة المتقطعة التي تتم لتستقري القواعد منها ، كما أن " استنباط القاعدة من أمثلة عملية " ثبت أنها مستحيلة ، وليس لها أصل علمي ، ولا وجه للمقارنة بين اللغات والعلوم الطبيعية في الاستنباط ، لأن التجربة في العلوم الطبيعية ثابتة مطردة يمكن استخلاص قوانين عامة منها ، ولكن هذا لا ينطبق على اللغات .
ومن هنا نشأت الطريقة المتكاملة متأثرة في أسسها بنظرية الجشتالت في علم النفس من حيث أن الأمور الكلية تدرك قبل الأجزاء ، وإن تعليم اللغة ينبغي له أن يجاري طبيعة اللغة نفسها ، فتعلم المهارات اللغوية في القواعد والإملاء والتراكيب والصور يتم من ثنايا القراءة والنصوص والأساليب المتصلة .
وفي تعليم القراءة كانت الطريقة التركيبية هي السائدة حيث يعلم الدارس الحروف الأبجدية أو الألفبائية ثم المقاطع الصوتية فالكلمات فالجمل ، ثم عدل عنها إلى الطريقة التحليلية التي تنطلق من الوحدة الفكرية ذات المعنى متمثلة في الكلمة حيث تحلل الكلمة إلى مقاطعها والمقاطع إلى حروفها . ثم عدل عن الوحدة الفكرية ذات المعنى متمثلة في الجملة ، إذ ينتقل من الجملة إلى الكلمة إلى المقاطع فانتهاء بالحروف .
وقد " دلت التجارب على أن أي طريقة من هذه الطرائق لا تكفي وحدها لتكوين القاريء الجيد الذي تتكامل فيه نواحي القراءة المختلفة ، لأن كل طريقة منها تؤدي إلى تقوية ناحية معينة . فالطريقة الصوتية الأبجدية تقوى عند المتعلم المهارات الخاصة بتعرف الكلمات . وطريقة الكلمة أو الجملة تقوى عنده الميل إلى القراءة والاهتمام بالمعنى والقدرة على الفهم . ومن هذا يتضح لنا أن أحسن هذه الطرائق ليست هي الطريقة التركيبية ولا التحليلية وإنما هي الطريقة التي تجمع العناصر المفيدة في هذه الطرائق كلها " .
ومن هنا كان التطور الأخير في ميدان طرائق تدريس اللغات هو عدم الوقوف عند أي من هذه الطرائق على أنه هو الأفضل ، وإنما ظهر أسلوب جديد هو " الأنتقائية" ، أي أن يؤخذ من كل طريقة ما هو ناجح فيها ، فظهر في ميدان تدريس القراءة للمبتدئين الأخذ بالتحليل والتركيب معاً ، وذلك بأن نبدأ بالجملة لننتقل إلى الكلمة فالمقطع فالحرف ، ثم نؤلف من الحرف الذي توصلنا إليه مقاطع وكلمات جديدة وجملاً .
وقد وجد في المراحل التالية أن القراءة لا تعتمد على أسلوب وحيد في تدريسها ، ذلك لأن هذا الأسلوب يتنوع بتنوع الموضوع ، ويختلف باختلاف مادة الدرس وأسلوب وبالغرض من القراءة والمهارات التي يراد تنميتها .
وأخذ من الطريقة القياسية القديمة تنشيط الذاكرة ، إذ لابد من الحفظ والتذكر والاسترجاع، على أنه مستوى أول من مستويات المعرفة ، ومن غيره لا يمكن الوصول إلى المستويات الأعلى من فهم وتحليل وربط وتركيب وحكم .
وأخذ من الطريقة السمعية الشفوية Audio Oral استخدام الأشرطة كما أخذ من الطريقة السمعية البصرية Audio Visual استخدام الأفلام . وهكذا يتم تصريف الأفعال وحفظها في ضوء الطريقة القياسية ، وتذليل صعوبات النطق في الطريقة السمعية البصرية ، وامتلاك مهارات المحادثة في الطريقة السمعية الشفوية .
وأصبحت تنمية القدرة على الفهم هي الموئل ، وما دامت الوظيفة الافهامية للغة هي الغاية فليتم ذلك بأي طريق . ومن هنا تمت العودة إلى أسلوب الترجمة في تعليم اللغات بعد أن كان محظراً استخدامه في الستينات والسبعينات بعد أن رئي أن الفاعلية النسبية للطريقة في تحقيق الأهداف هو الذي ينبغي له أن يكون في ميدان تدريس اللغات الحية ، وأن التحيز لأسلوب معين على أنه هو الأفضل والأنجع هو أسلوب خاطيء فلنتخير من الطرائق كلها ما هو ناجح فيها ، فضلاً عن أن نجاعة أي طريقة لا يمكن أن تقر إلا في ضوء التجارب العلمية المضبوطة .
6- اعتماد التعليم المصغر والتغذية الراجعة :
كانت الخبرات التي يراد للناشئ اكتسابها فى التربية التقليدية تقدم إليه دفعة واحدة من غير تعرف مدي التقدم الحاصل فى كل خبرة من تلك الخبرات ، ومستوي التحسن الذي وصل إليه المتعلمون فى الأداء .
ومن هنا ظهرت طريقة التعليم المصغر التي تفتت فيها الخبرة التعليمية إلى عدة مواقف ، ثم يجري تقويم بعد كل موقف لمعرفة النقاط الإيجابية والسلبية فيصار إلى تعزيز الإيجابيات وتلافي السلبيات بطريق التغذية الراجعة .
والتعليم المصغر لا يخرج عن كونه عينة مصغرة لتدريس واقعي يستغرق ما بين عشر دقائق وثلاثين دقيقة ، ولا يزيد عدد الطلبة فيه على عشرة . ويضمن المدرس خطة الدرس أربعة عناصر على الأقل متمثلة فى الأهداف والمحتوي وطريقة التدريس والتقويم على أن تكون الأهداف مصوغة صوغاً سلوكياً حتي يمكن قياس أداء المتعلمين فى قربهم من تحقيقها أو بعدهم عنها.
وكان أوضح تطوير لاستخدام أسلوب التعليم المصغر ما قام به فى أمريكا من استخدام هذه الطريقة فى تدريس مقررات قصيرة جداً . وتشير تفاصيل نتائج هذا التطبيق الميداني إلى نتائجه الإيجابية لدي الطلاب والمدرسين ، إذ قل حديث المدرس ، وارتفعت نوعية أسئلة التلاميذ وازداد تفاعلهم واستجابتهم للدروس بشكل ملحوظ ، ووضح نتيجة لاستخدام هذه الطريقة سيطرة المدرس على المهارات المحددة للتجربة والمطلوبة للارتفاع بمستوي التدريس.
ولقد استخدم كل من التعليم المصغر والتغذية الراجعة بنجاح فى إحداث تغييرات ذات دلالة فى تهيئة مواقف التعلم وتكوين أطر مرجعية مناسبة ، وتحديد الغاية والكفاءة فى استخدام الأسئلة وتعرف مدي انتباه التلاميذ ، والقدرة على إثارة الانتباه ، والتحكم فى المشاركة وتعرف نتائج الأعمال واستخدام الثواب والعقاب وتبني السلوك النموذجي ، كما استخدمت التغذية الراجعة فى تصحيح الأخطاء .
7- اعتماد التعلم الذاتي والعمل على اكساب مهاراته :
من الواضح أن العصر الذي نحيا تحت ظلاله هو عصر التفجر المعرفي والانتشار الثقافي الخاطف والمواصلات السريعة والعلم والتكنولوجيا ، وأن على المرء حتي يواكب هذا العصر المتطور والمتوثب أن يكون مسلحاً بمهارات التعلم الذاتي .
ومن هنا اتجهت أنظار المربين إلى أن يستمر المتعلم فى تعليم نفسه ، وأن يكون المجهود منذ البداية نابعاً من المتعلم بعد أن كان العبء ملقى على كاهل المعلم في ظلال التربية التقليدية ، والتي ما تزال بصماتها مطبوعة على كثير من جوانب تدريسنا .
ففي دراسة حديثة تمت في أمريكا قام بها " وليام فلويد " أستاذ التربية بالكلية الوسطى بولاية واشنطن أظهرت أن المدرسين يحتكرون الحديث في الفصول على النحو التالي :
1- قال المدرسون (71) كلمة لكل 29 كلمة تفوه بها التلاميذ .
2- كان الحديث الكلي في الفصل موزعاً بين 18-34 تلميذاً ، مما يجعل نصيب كل تلميذ متناهياً في الصغر .
3- سأل المدرس 96 سؤالاً لكل أربعة أسئلة وجهها التلاميذ .
4- كانت الغالبية العظمى من الأسئلة التي سألها المدرسون من نوع المراجعة للكشف عما إذا كان التلاميذ قد فهموا الدروس أو تذكروا المادة السابقة .
وتظهر هذه النتائج ضآلة المناشط الذاتية التى يقوم بها التلاميذ. لذا رأت الاتجاهات الحديثة في التربية أن يكون عمل المدرس في الصف شبيهاً بعمل المزارع ، فالمزارع يهييء الظروف المناسبة لنمو النبات والرعاية المطلوبة ، ثم يتركه ينمو من تلقاء نفسه ، وأقصى ما يستطيعه المعلم هو أن يهيىء الظروف المناسبة أمام التلميذ ليسعى نحو تحقيق أغراضه ، ويدرك أهمية ما يقوم به فينشط ويفكر ويبتكر ويشعر بالرضى والارتياح عند تحقيق غاياته .
وتسهم المختبرات اللغوية والتسجيلات في تكوين مهارات التعلم الذاتي لدى الدارسين، إذ عندما يحس المتعلم أن استجابته صحيحة يتعزز المتعلم الذاتي لديه وهذا ما يعطيه دافعاً إلى الأمام ، فالتعزيز يعمل على تثبيت النواحي الإيجابية ، ويشعر المتعلم بذاته بغية الارتقاء إلى الأمام .
والطرائق الحديثة في تعليم اللغة تهدف إلى حث التلميذ على كلام أكثر ما يمكن ، ويرى "فرنك مارشاند Franc Marchand " أنه ينبغي تحقيق هدفين من خلال دروس المحادثة أولهما أن يتكلم المتعلم أكثر ما يمكنه أن يتكلم ، ويقتصر عمل المدرس على حث المتعلم على أن يتابع كلامه بكل حنكة وعلى تعزيز الحديث . وثانيهما أن يتكلم المتعلم على الوجه الأفضل ، وهنا يأتي دور المدرس في عملية التصحيح والتقويم ، على أن تكون هذه العملية متسمة بالأناة واللين وعاملة على أن يعمد المتعلم بعد ذلك إلى تصحيح الخطأ بنفسه .
ومن هنا كان النشاط الذي يقوم به المتعلم هو الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه كل دراسة، فبهذا النشاط يكتسب المتعلم المعلومات والميول والاتجاهات والقيم والمهارات . ولأسلوب المدرس وشخصيته وطريقته وتعامله مع المتعلم دور فى اكساب هذا المتعلم الاتجاهات الإيجابية والميول النافعة فى متابعة المتعلم لاكتساب المعلومات والمهارات فى مستقبل حياته .
8ـ استثارة الدوافع وتوافر الاستعدادات :
غنى عن البيان أن العملية التعليمية التعلمية مبنية على الدافع. إذ أن الدافعية شرط أساسى من شروط التعلم ، فلا تعلم من غير دافع معين والموقف التعليمى دينامى الصبغة لأنه يتضمن تفاعلاً بين الكائن الحى من ناحية وعناصر هذا الموقف كلها أو بعضها من ناحية أخرى حتى يحدث التغير فى السلوك أو فى الأداء .
ووظيفة الدافعية فى الموقف التعلمى ثلاثية الأبعاد فهى :
1ـ تنشط سلوك الكائن الحى .
2ـ توجه سلوك الكائن الحى وجهة معينة نحو غرض معين .
3ـ تعزز نمط السلوك المسؤول عن الحصول على المكافأة .
ولقد كانت الطريقة القديمة فى تدريس اللغات تهمل دوافع المتعلمين ، على حين أن الطرائق الحديثة تركز على حاجات المتعلمين وميولهم وتختار المواد اللغوية فى ضوئها ولقد اتخذت ميول المتعلمين نحو موضوعات معينة أهدافاً ودوافع كما استخدمت مصدراً لمحتوى المنهج اللغوى ، ذلك لأن العملية التعلمية لا يمكن أن تتم إلا إذا قام المتعلم بنشاط نابع من حاجاته وميوله. كما أن وجود الدافع القوى المتمثل فى حاجات المتعلمين وميولهم يزيد فى سرعة عملية التعلم ، ويزيد من تأثيرها ، ويجعل المادة ذات وظيفة فى حياة المتعلم ، فيقبل عليها بنفس راضية ، والمتعلم يحس بالحاجة إلى إتقان اللغة وتعلم أساليبها بصورة صحيحة ، والتعبير اللغوى يندفع إليه بطبيعته شريطه أن يرتبط ارتباطاً مباشراً بخبراته الشخصية ، وأن يساعده على قضاء حاجاته النفسية والاجتماعية .
ومن هنا ترى الطرائق الحديثة خطر إجبار المتعلم على التحدث فى موضوع بعيد عن اهتماماته ورغباته فإذا أردنا لتمرين اللغة ألا يتحول إلى تمرين ببغائى يجب على الأطفال أن يفكروا فيما يقولون ، ولكى يفكروا فيه يجب ان يعيشوه.
والسؤال الذى يثار هنا : إذا لم يكن لدى المتعلم ما يقوله فما العمل ؟ حدد "Ferinet" من أرباب المدرسة الحديثة فى تعليم التعبير هذا الموقف بصورة جميلة ، فشبه ذلك بقصة الحصان غير الظمآن "هيا إذا أجعل حصاناً غير ظمآن يشرب حتى بالصراخ ، وهيا حاول إجبار أطفال لا يرغبون فى الكتابة على الكتابة " .
وحل "Ferinet" المشكلة بطريق النصوص الحرة والقصص ذات النهايات المفتوحة ، إذ يفسح المجال للمتعلم لأن يتكلم فى الموضوع الذى يريد من جهة ومن جهة أخرى أشار إلى طباعة كتابات الطلبة وتبادل الموضوعات بين المدارس . وعندما يرى الطالب أن موضوعه مطبوع ويصل إلى مدارس بعيدة تأخذه الحماسة نحو الكتابة ويستثار الدافع لديه .
وترى الطرائق الحديثة فى تعليم اللغات خطر البدء بتعليم القراءة مبكراً لأطفال ليس لديهم الاستعدادات لها . من هنا تلجا إلى تهيئة الطفل بأشكال منوعة تؤدى إلى نموه من مثل : الغناء ، الرسم ، الأداء ، التقليد ، وإذا لم تسمح الاستعدادات الفعلية للمتعلم بالتعليم فإن ثمة خطراً فى تعليمه ، لأن ذلك سيؤدى إلى الاخفاق . ومتى بدا الطفل يخفق منذ خطواته الأولى لا يمكن لأحد أن يتكهن بالنتائج فيما بعد لأن للخطوات الأولى من دخول الطفل إلى المدرسة تأثيراً كبيراً فى حياته .
وهناك عدة عوامل تؤثر فى مدى استعداد الطفل لتعلم القراءة تتلخص فى :
1ـ الوسط العائلى : حملت الدراسات الحديثة نتائج جديرة بالاهتمام حول استعداد الطفل للقراءة ففى دراسة ظهر أن أطفال المحيط الاجتماعى الثقافى المرتفع يقرؤون أفضل من الآخرين وأن الفروق بين المستويات الاجتماعية والثقافية العالية والمنخفضة كانت فروقاً ذات دلالات إحصائية .
2ـ مستوى النضج الجسمى من حيث النظر والسمع : أثبت "جراى" أن حركات النظر غير المنظمة تشكل صعوبة فى اكتساب القراءة لدى الطفل ، وأن الطفل الذى لا يستطيع أن يميز بدقة بين الحروف لا يعد مهيأ لتعلم القراءة . كما أثبتت التجارب الحديثة الترابط بين اللفظ والسمع وأن السمع السوى يؤدى إلى لفظ سليم . كما لوحظ أن الطفل الذى لا ينطق بسهولة لا يكون لديه سمع دقيق فى الوقت نفسه ، إذ أن القراءة تتطلب استعمالاً وظيفياً لكل من حاستى السمع والنظر بالإضافة إلى النطق .
3ـ النضج اللغوى : ويتجلى ذلك فى الوظيفة الرمزية المتعلقة بمحتوى الكلمات ودلالتها والصور التى تعبر عنها وأصواتها والحركات والأشياء .. إذ لا بد أن يكون الطفل مهيأ لإدراك ذلك كله كما يرى "الخبراء" حتى يكون قادراً على اكتساب مهارات القراءة ، فالقراءة هى عملية رمزية من الدرجة الثانية ويتجلى النضج اللغوى أيضاً فى الاتصال بمعنى أن يكون الطفل قادراً على تلقى الرسالة التى ينقلها النص المكتوب وفهمها . كما يتجلى فى المظهر الكمى للغة الطفل متمثلاً فى الرصيد الشفهى ، ذلك لأن الرصيد اللفظى يلعب دوراً كبيراً فى نجاح عملية القراءة إذ أن لمعرفة المفردات والذكراة اللفظية والسرد أهمية فى هذا المجال .
4ـ مستوى الذكاء : أشار أحد الخبراء الفرنسيين منذ مطلع هذا القرن إلى أن العمر الفعلى الملائم للبدء بتعلم القراءة هو 6 سنوات وطبق تجاربه العملية فى القراءة على 35 طفلاً من 8 ، 10 ، 12 سنة على حين أن المستوى العقلى الحقيقى كان يتراوح بين 3 ـ 8 سنوات . وأثبتت الدراسات الإحصائية التى قام بها "جراى" أن ثمة علاقة إيجابية تصل إلى 65% بين نتائج اختبارات الذكاء وتقدم التلاميذ فى تعلم القراءة .
9ـ اعتماد الهيكلية البنيوية فى التدريس :
كانت طريقة التدريس سابقاً تركز على حفظ المفردات والقواعد. إلا أن التطور الذى حدث فى هذا المجال بظهور المدرسة البنيانية هو أن الكلمات تختلف معانيها باختلاف السياق ، وأن اللغة فى تراكيبها المتجانسة وقوالبها أكثر مما هى فى مفرداتها منفصلة ، وأنه من خلال قالب لغوى واحد يمكن استخدام مئات المفردات بينما يظل التركيب واحداً لا يتغير . ففى التركيب اللغوى "هذا كتاب" يمكن أن أستبدل بالكتاب آلاف الكلمات ، ويبقى التركيب ثابتاً .
وقد لجأت طرائق تدريس اللغات الحية لأبنائها إلى تدريب الناشئة على القوالب اللغوية ومن ثم الانتقال بهم من اللا شعور فى استخدام هذه القوالب إلى الشعور ومن اللا إدراك إلى الإدراك بحيث يتعرفون مع نموهم الفكرى وظيفة كل كلمة فى التركيب .
رابعاً : الخلاصة :
وخلاصة القول أن مفهوم اللغة لم يعد مقتصراً على الجانبين الصوتى والمكتوب وإنما تجاوزه إلى ضروب التعبير كلها ، وأضحت طرائق التدريس تستعين بمعطيات هذا المفهوم الواسع للغة فى اكتساب المتعلم المهارات اللغوية. كما أن اكتساب اللغة لم يعد مقتصراً على تزويد المتعلم بمجموعة من الحقائق والأحكام وإنما أصبح بعض المربين ينظرون إلى اكتساب اللغة نظرتهم إلى اكتساب المهارات والعادات كما يرى السلوكيان.
إلا أن "تشومسكى" دحض هذا الاتجاه ورأى أن ذهن الإنسان ليس صفحة بيضاء ينقش عليها المتعلم ما يريد حتى إذا ما واجهه موقف ما عاد إلى المخزن فأخذ منه ما يساعده على مواجهة الموقف الجديد وذهب "تشومسكى" إلى أن العقل مزود بآلية أسماها "المقدرة اللغوية" أو "الابداعية اللغوية" أو "الكفاية اللغوية" وهذه الآلية تساعد المتعلم على أن يبتكر ويصوغ جملاً جديدة ، ويحكم على الجمل الجديدة من حيث الصواب والخطأ حتى لو لم يكن المتعلم قد مر بها من قبل ولم تلبث أن ظهرت اتجاهات جديدة تعارض "تشومسكى " فيما ذهب إليه .
أما التطور الذى حدث فى مجال طرائق تدريس اللغات الحية فيتجلى بعضه فى عملية "التمهير" بدلاً من التحفيظ والتسميع كما يتجلى فى البدء بتدريس المحادثة والاستماع بدلاً من البدء بتدريس القراءة والكتابة على النحو الذى كان سائداً من قبل ويتجلى أيضاً فى تحقيق التكامل بين المهارات اللغوية إرسالاً واستقبالاً ، وتحقيق التكامل بين الفروع اللغوية وعدم النظر إلى كل منها على أنه هدف فى حد ذاته بل وسيلة لصحة التعبير وغناه .
ويتجلى التطور أيضاً فى اعتماد المفهوم النظامى فى التدريس تصميماً وتخطيطاً وتنفيذاً وتقويماً وأهدافاً ومادة ووسائل ومناشط وأدوات على أن تكون ثمة مرونة فى اختيار الطرائق باختلاف الأهداف وقد ظهرت عدة سلاسل لتعليم الفرنسية فى ضوء المفهوم .
ومن التطورات التى ظهرت أيضاً اعتماد أسلوب الانتقائية فى التدريس ، والعزوف عن التحيز لطريقة معينة على أنها هى الأفضل فهذا أسلوب قد تجاوزه العصر فالأسلوب المفيد هو أن ننتفى من الطرائق كلها إيجابياتها ونطرح سلبياتها .
ويتجلى التطور أيضاً فى اعتماد التعليم المصغر والتغذية الراجعة واعتماد التعليم الذاتى مواكبة لروح العصر ، واستجابة لمتطلباته وفى استثارة الدوافع وتوافر الاستعدادات وأخيراً فى اعتماد الهيكلية البنيوية فى التدريس .
ولابد لنا أن نشير أيضاً إلى التطور الذى حدث فى ميدان النفعية الاجتماعية والوظيفية وفى اختيار طريقة القوالب فى تدريس اللغات إن لأبنائها فى المراحل الأولى وإن لغير أبنائها .







